الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
225
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
أنوار عالم الملكوت جلّاه اللّه لموسى فلا يراه غيره . ويؤيد هذا تأكيده الخبر ب ( إن ) المشير إلى أن زوجه ترددت في ظهور نار لأنها لم ترها . والإيناس : الإحساس والشعور بأمر خفي ، فيكون في المرئيات وفي الأصوات كما قال الحارث بن حلزة : آنست نبأة وأفزعها القنّ * اص عصرا وقد دنا الإمساء والمراد بالخبر خبر المكان الذي تلوح منه النار . ولعله ظن أن هنالك بيتا يرجو استضافتهم إياه وأهله تلك الليلة ، وإن لم يكن أهل النار أهل بيت يستضيفون بأن كانوا رجالا مقوين يأت منهم بجمرة نار ليوقد أهله نارا من حطب الطريق للتدفّؤ بها . والشهاب : الجمر المشتعل . والقبس : جمرة أو شعلة نار تقبس ، أي يؤخذ اشتعالها من نار أخرى ليشعل بها حطب أو ذبالة نار أو غيرهما . وقرأ الجمهور بإضافة بِشِهابٍ إلى قَبَسٍ إضافة العام إلى الخاص مثل : خاتم حديد . وقرأه عاصم وحمزة والكسائي ويعقوب وخلف بتنوين شهاب ، فيكون قبس بدلا من شهاب أو نعتا له . وتقدم في أول سورة طه . والاصطلاء : افتعال من الصلي وهو الشيّ بالنار . ودلت صيغة الافتعال أنه محاولة الصلي فصار بمعنى التدفّؤ بوهج النار . [ 8 - 11 ] [ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 8 إلى 11 ] فَلَمَّا جاءَها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 8 ) يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 9 ) وَأَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ ( 10 ) إِلاَّ مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 11 ) أنث ضمير جاءَها جريا على ما تقدم من تسمية النور نارا بحسب ما لاح لموسى . وتقدم ذكر هذه القصة في سورة طه ، فبنا أن نتعرض هنا لما انفردت به هذه الآيات من المفردات والتراكيب ، فقوله : أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها هو بعض ما اقتضاه قوله في طه [ 12 ] : فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً لأن معنى بُورِكَ قدّس وزكّي . وفعل ( بارك ) يستعمل متعديا ، يقال : باركك اللّه ، أي جعل لك بركة وتقدم بيان